حيدر حب الله

97

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

واضحة الدلالة على أنّ منتهى القتال هو إعطاء الجزية ، إلّا أنّ ذلك لا يجعل إعطاء الجزية شاهداً على الابتدائية ، بحيث لا يندرج التمسّك بهذه الآية ضمن سياق البيان الأوّل للاستدلال القرآني ، وذلك أنّ التمسّك في الحقيقة قد يقال : إنه بإطلاق صدرها ، ونحن لا نعرف من هو المراد في صدرها : الكفار مطلقاً أم خصوص المعتدين ؟ فعلى تقدير خصوصية المعتدين تكون الجزية خاصّة بهم ، من هنا يلوح في كلمات مثل ابن حزم أن الآية تدلّ على أننا أمرنا بقتالهم إن قاتلونا ، حتى يعطوا الجزية « 1 » ، وتابعه في ذلك بعض المفسرين في القرن الأخير « 2 » ، وقد استند غير واحد إلى السياق التاريخي للنزول حيث نزلت في مناخ غزوة تبوك التي جهّز أهل الكتاب جيشاً فيها شمال الحجاز ، مما يفرض وجود تعاون بينهم وبين أهل الكتاب في الجزيرة العربية ، الأمر الذي يضعهم في سياق الاعتداء على المسلمين ، حتى أن الشيخ مغنية خصّص الآية بأهل الكتاب العرب وإن خالفه في ذلك سيد قطب « 3 » . وهذا كلام لا ينكر من حيث المبدأ ، لكنّ سياق الآية من أوّله إلى آخره ظاهر - بدرجةٍ ما - في أنّ الاختلاف العقيدي هو منطلق الحرب معهم حتى يعطوا الجزية ، فعدم الإيمان بالله أو عدم تحريم ما حرّم الله أو عدم التدين بالدين الحق . . كلّها عناصر تؤكّد أنّ هذا الأمر قد قام على الاختلاف العقيدي ، فلسنا ننطلق هنا من

--> ( 1 ) ابن حزم ، المحلّى 7 : 348 . ( 2 ) انظر : تفسير المراغي 4 : 95 ؛ والمنار 10 : 289 ؛ والتفسير المنير 10 : 175 ، 178 ؛ ويظهر من مطاوي كلام مغنية في تفسير الكاشف 4 : 32 . ( 3 ) انظر : تفسير الكاشف 4 : 32 ؛ وفي ظلال القرآن 3 : 1620 ؛ وابن عاشور ، تفسير التحرير والتنوير 10 : 64 .